هشام جعيط

354

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

في ما يرويه عن ثورة ابن طباطبا ( العام 199 ه / 814 م ) . ويشير الطبري نفسه إلى أن الكناسة كانت تضمّ منازل سكنية ، كما أنه يستخدم كلمة أرباض VIII ) ، 561 ) أي الضواحي . هنا نجد أنفسنا أمام تحضير الكوفة بكل معاني الكلمة : فقد غدت مدينة إسلامية نمطية ( كلاسيكية ) ، بعد ما كانت مدينة / معسكرا عربية ، أي أنها غدت مركزا حضريا بعد ما كانت مجمّعا عسكريا . وأخيرا ، طوال القرن الثالث الهجري ( القرن التاسع الميلادي ) ، بقيت الكوفة عربية الطابع ، لكن سكانها بدأوا يتحولون إلى خليط من العرب والسواديين ، وهم أهل السواد الذين أخذوا يدخلون في الإسلام . على أن المسألة تكمن في معرفة ما إذا كانت الكوفة ، وهي مدينة في ذروة مجدها ، قد فقدت فقدا تاما طابع المدينة الرحبة الفسيحة ، لتغدو مدينة تشبه تلك المدن الإسلامية التي بنيت في أزمنة لا حقة ، حيث باتت المدينة كتلة من المنازل المتلاصقة الخانقة . ولا نعتقد ذلك ، لأن الجغرافيين الذين عاشوا في زمن لاحق ، أمثال المقدّسي ، ثم ابن جبير ، في ما بعد ( وقد كتب ابن جبير في زمن كانت فيه المدينة قد انهارت تماما ) ، ذكروا مساحات خضراء واسعة وبساتين غنّاء في قلب المدينة . كما أن هؤلاء الجغرافيين أنفسهم تحدّثوا عن امتداد الكوفة ، لناحية الغرب ، إلى أبعد من حدودها الأولى ، كما تدل على ذلك أيضا بقايا آثار تمتد حتى النجف . إنما لم تعد الكوفة مركز إشعاع للإسلام الأول ، إسلام الفتح العربي الظافر ، بل غدت مدينة من مدن العراق المهمّة وقصبة ولاية إدارية . إن ترييف مدينة الكوفة ، لا بل انحطاطها ، أصبح أمرا واقعا في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي . فقد أخذ التنظيم البنيوي القديم ( الأرباع العسكرية ، الروح القبلية ، النظام المالي ) يضمحلّ ويتلاشى . وذلك لأن الصرح الذي بناه الفتح بالقوة العربية ، والذي لم تكن الكوفة سوى تجسيد له ، أخذ يشيخ ويلفه الإهمال ، في حين أن الخليفة المتربّع على قمته كان ألعوبة في يد البويهيين ، وفي وقت بدأت فيه الانقسامات تدبّ في كيان العالم الإسلامي وتهدد وحدته . لذا ، لم يكن تقهقر الكوفة إلا تعبيرا عن هذا التغير العميق الذي لم ينفع النشاط التجاري الواسع بين أطراف العالم الإسلامي المترامية ، في تعزيزه وإطالة أمده ، قرنا أو قرنين من الزمن ، كما في البصرة . كان يمكن الكلام على أزمة المدينة الإسلامية ( ماسينيون ) ، لولا أن الأزمة كانت شاملة أصابت الإسلام الأولي بوصفه دولة ومجتمعا ، أو بالأحرى بوصفه حضارة . أو ربما كان ثمة ما هو أكثر من ذلك : أي ، تحول تاريخي لم يكن هناك بدّ من أن تدفع ثمنه مدينة كالكوفة .